سيد محمد طنطاوي
174
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد . حتى نزل القرآن : * ( ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ ) * فقال صلَّى اللَّه عليه وسلم : « أنت زيد بن حارثة بن شراحيل » « 1 » . وكان زيد قد أسر في بعض الحروب ، ثم بيع في مكة ، واشتراه حكيم بن حزام ، ثم أهداه إلى عمته السيدة خديجة ، ثم أهدته خديجة - رضى اللَّه عنها - إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وصار الناس يقولون : زيد بن محمد حتى نزلت الآية . وقوله - سبحانه - : * ( فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ ومَوالِيكُمْ ) * إرشاد إلى معاملة هؤلاء الأدعياء في حالة عدم معرفة آبائهم . أي : انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم الحقيقيين ، فإن ذلك أعدل عند اللَّه - تعالى - ، وأشرف للآباء والأبناء ، فإن لم تعلموا آباءهم الحقيقيين لكي تنسبوهم إليهم ، فهؤلاء الأدعياء هم إخوانكم في الدين والعقيدة ، وهم مواليكم ، فقولوا لهم ، يا أخي أو يا مولاي ، واتركوا نسبتهم إلى غير آبائهم الشرعيين . وفي هذه الجملة الكريمة إشارة إلى ما كان عليه المجتمع الجاهلي من تخلخل في العلاقات الجنسية ، ومن اضطراب في الأنساب ، وقد عالج الإسلام كل ذلك بإقامة الأسرة الفاضلة ، المبنية على الطهر والعفاف ، ووضع الأمور في مواضعها السليمة . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر اليسر ورفع الحرج في تشريعاته فقال : * ( ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِه ، ولكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً ) * . أي . انسبوا - أيها المسلمون - الأبناء إلى آبائهم الشرعيين ، فإن لم تعرفوا آباءهم فخاطبوهم ونادوهم بلفظ : يا أخي أو يا مولاي . ومع كل ذلك فمن رحمتنا بكم أننا لم نجعل عليكم جناحا أو إثما ، فيما وقمتم فيه من خطأ غير مقصود بنسبتكم بعض الأبناء الأدعياء إلى غير آبائهم ، ولكننا نؤاخذكم ونعاقبكم فيما تعمدته قلوبكم من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم . و * ( كانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً ) * - وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده . هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين : حرص شريعة الإسلام على إعطاء كل ذي حق حقه ، ومن مظاهر ذلك إبطال الظهار الذي كان يجعل المرأة محرمة على الرجل ، ثم تبقى بعد ذلك معلقة ، لا هي مطلقة فتتزوج غير زوجها ، ولا هي زوجة فتحل له فشرع الإسلام كفارة الظهار إنصافا للمرأة ، وحرصا على كرامتها .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 147 .